الصورة وأنا:

جلست في الحانة لأنسى رداءة مستوى النقاش الذي فتحته أذرع الأخطبوط، فإذا بي أجد نفسي (صدفة ماكرة أو قدر محتوم..) أمام لوحة تروي زمنا قد ولى: زمن الرجال والأمجاد.
تتحدث الصورة عن فرسان شامخين، يرتفعون فوق أكمة تعبدت خيفة. بسطت حصاها ورمالها رهبة. يحملون سيوف لا تغشى الغمد على الصحاب. وتستأسد عند منازلة العدو. العمامة سمة الوقار. والبرنص شيمة الافتخار. جابوا الأرض طولا وعرضا. قطعوا 
البحر شمالا. وأبحروا في فيافي الصحراء جنوبا.
خيولهم تماهت مع محركهم.. تبنت أفكارهم، فصارت تسابق حدسهم، اتجاهاتهم، وهي متيقنة من نبل المراد.. 
غاية مسيرهم فكرة توحد الصف، ترص الفرادى، فتمسي قلبا واحدا ينبض لهدف أوحد.
إنها صورة. وما عسى صورة أن تفعل؟ لا إنها أكثر من صورة: إنها مشهد من التاريخ.
أما اليوم، آه كم أتهرب من المقارنة، لكن المدام حكم بضرورة المقارنة.
هل تحرك المغاربة اليوم نفس الفكرة؟ نفس الهدف؟ هل لدى المغاربة ولو حد أدنى من الوعي المشترك؛ يجعل المرام مفهوما عند الجميع. أو على الأقل ألازالوا يثقون في ممتلك معرفة: الأستاذ، المحامي، رجل الدين، الصحفي… لا!! فالأخطبوط وسع الفجوة بين العامة والمثقف، حتى صارت “الفهامة” جرما وتحقيرا، وصارت الفلسفة سفسطة، وصار المثقف “داوي خاوي”…
شتان بين الحقبتين، فإحداها علو وسموق وأخراها دناءة واحتقار بين الأمم.
يقل الكلام فيما سبق من الأزمان، ويعج التاريخ بالمروي عن بسالة السلف، بينما يندر الحديث عن انجازات الحديث، لئلا نقول انعدام التحليق في سماء الصدارة بين الشعوب، إلا لمن نهل من جعبة الغرب، وتتلمذ في جامعاتهم. فالمنتصر دوما هو من يفرض لغته في كوكب العلوم، ويسيطر على رقعة البحث والتحصيل.   
حمزة الأنفاسي
Hamza Elanfassi
 
 
Advertisements

إلى التي لم أرها بعد..

مرت كالنسيم برقتها
التي تبدو بارزة من بشرتها
ملساء ناعمة منذ طفولتها
وإن ابتلعت الدنيا الكثير من حيويتها
الهواء يحمل خطاب الروح
ويضمد كدمات الزمن المجروح
ويحك ما تريدين يا بنية
نمحو الزمن هذه الليلة لنحيا
وماذا إن لم نجد قارب العودة
تذكر فقط أننا لا نملك غدا
فعش اليوم لحظة بلحظة
نشرب نخب الحب حتى آخر ومضة
لا أقدر فأنت أجل من أحلامي
وخيالك كان يملأ فراغ أيامي
ومن لهفتي لرؤيتك أمامي
كنت أجمل نفسي وهندامي
وقعت عقد بيع قلبي بيدي
والمداد لم يكن سوى من دمي
علك ترضين عن هذا العبد
المجنون بهواك منذ القدم
صاحت ما أنا كما تصفني
كالأميرة البهية جعلتني
عفوا ملكتي فأنت جنة الجنان
في نظري يا أكبر الأماني
عشت بفؤادي قبل أن أراك
ولم أشأ أن يسكنه سواك
كونك دنوت من الملاك
وبك قصيت بعيدا عن الهلاك
حمزة الأنفاسي
Hamza Elanfassi

ماذا تترك؟ ولمن؟

حالة غريبة هذه التي أمر بها. حالة من الدهشة وعدم التصديق.لم تذرف عيناي دمعة واحدة إلى حد الساعة. رغم أني ودعت العديد من الأصدقاء، الأحباب، الرفاق والإخوان.

أجبرني قر الواقع على الرحيل. وضاقت بنا سبل الأمل وأحلام التغيير.

فرض علينا قبول الجمود، وما أكره الجمود في فؤادي. الوطن جنة بالنسبة لقلة قليلة، تفرض على الممانع أن يحتضن الأمواج، أو أن يحزم أمتعته ويخوي البلاد.

سأترك أشياء كثيرة، وذكريات لن تمحى. وكيف تنمحي وهي ما نحت ما أنا عليه.

سأترك الحي الذي ترعرت فيه. حي تقطنه سبع وستون عائلة. كلهم من رجال ونساء التعليم. في تجزئة تشبه لحد التقابل الأسرة الممتدة في مغرب الأمس. 

سأترك المقهى الذي أرتاده يوميا منذ ما يربو عن ثمان سنوات. مقهى شعبي في حي لا شعبي. نرتاده للنقاش ولنسيان النقاش. تحليلات يومية وتتبع لما يجري حولنا. التصق هذا المقهى بتجربتي الشخصية، حتى صار البعض يربطني بأثاثه.  

سأترك الأصدقاء، القدماء منهم والجدد. أمضيت هنا عبق الصداقة، التي ما وراءها مصلحة، نوايا سيئة، أو أطماع مبيتة.

سأترك هذا الشعب المغلوب على أمره. أحبه رغم كل الذي من الممكن أن يقال في حقه. فهو والله شعب جواد. لبه طيبة كستها قشرة الماديات. قساوة الظروف، وتكالب الدهاة، جعلوه يفقد طيبوبته شيئا فشيئا.

سأترك المملكة، دافعنا حتى التخمة على مشروعنا المتفرد، لكن ما إن امتهنا التساؤل، حتى صوبت السهام تجاهنا.

سأترك موطن الأجداد. أمجاد أو سواد، المهم أنه كان محلا للأسياد. 

سأترك ثقافة، عادات، دين، مجتمع، رواج اقتصادي وتعبيرات فنية خاصة بهذا القطر القصي.

سأترك الطبخ المغربي الإبداعي. شهرته تعدت الحدود، ونسماته هبت على أمصار بعيدة.

سأترك كرة القدم رديئة في بلدي، نعم هي كذلك. لكن سأشتاق لأجواء الملعب. حماسة الجماهير، والصور الجميلة التي يفرشون بها جنبات الملاعب. أناشيدهم تلهب حماستك، والتزامهم يبكيك، ويفرض عليك تقديرهم.

سأترك كل هذه الأشياء، لأركب عباب المجهول. أقطف ثمار التجارب. أتعرف على الإنسانيات. أجري المقارنات. أخوض المعارك. لكن أبدا لن أنسى أن عرقي ينبض مغربة.  

 

الحرية الحقيقية هي اليقظة المستمرة

في يومي الثاني في أرض لينكولن٫ تعرفت على سام صاحب محل لبيع كل أنواع التبغ. ابن بوركينا فاصو، لكنه قضى عقدا من الزمان في صفوف القوات الفرنسية. كتب قولة تحكي حال بلداننا توا. يقول فيها أن الحرية الحقة تكمن في اليقظة المستمرة. آه! كم تطابق هذه القولة واقعنا اليوم. واقع الدول العربية التي أصيبت بزكام الربيع الديمقراطي، دون أن تستطب من هذيانه.
سأسرد تجربتين اطلعت عليهما قليلا. تجربة الثورة الفرنسية، التي صدرت مبادئها، أفكارها وقيمها إلى العالم بأسره. بعد ثلاث سنوات من الكفاح إلى حين إسقاط الملكية ( وإعدام لويس السادس عشر بالمقصلة في لا باستيي). انتزع القيادة أحد رموز الثورة: روبيسبيير، وسجن وقتل ثوارا باسم الثورة، وبذريعة العنف المبرر. مما جعل فرنسا تمر بسنتين دمويتين، جعلت أرواح الفرنسيين تحن إلى العهد البائد.
بعد هذه السنتين، سطع نجم ضابط مغمور قبلا، من جزيرة كورسيكا، يدعى نابليون، وحول الجمهورية الفتية إلى امبراطورية تروم احتلال العالم. بعد أفول بدر نابوليون، عادت الجمهورية إلى الحياة، ثم أسقطت. رجع نير الملكية، ثم بتر. صعد نابليون آخر من عائلة بونابارت. واستمر الحال على هذا المنوال، إلى سنة١٩٥٨، السنة التي نسج فيها الجنرال المهاب شارل دغول، خيوط الجمهورية الخامسة، التي يعيش الفرنسيون تحتها إلى اليوم.
التجربة الثانية، هي تجربة الولايات المتحدة الأمريكية. فبعد حرب التحرر من قيد البريطانيين، الذين رموا إلى استغلال خيرات العالم الجديد. عانى الأمريكيون من انفصام أدى بالبلد إلى الانشطار شطرين بدولتين. معلنا بذلك بدلية الحرب الأهلية. هذه الحرب راح ضحيتها ١٨٪ من الرجال في ولايات الجنوب، و٦٪ من رجال الشمال. زد على ذلك القلاقل الداخلية والخارجية، التي قوت شوكة الأمريكيين، ورصت صفوفهم.
لماذا أسرد هاتين التجربتين؟ لأبرز أن ما يأتي من أيام أهم من الانقلاب على القواد. فما تم إسقاطه هو رأس النظام فقط. وفي القادم من الأيام وجب التفكير بشكل جماعي في كيفية إرساء قواعد اللعبة الديمقراطية، التي توافق طبيعة كل بلد.
وأركز على هذين المعطيين، الديمقراطية كأسلوب في الحكم، لكن بمشاركة كل اتجاهات البلد، لإبداع القالب الديمقراطي الذي يليق بكل بلد، وثقافته ونفسية مواطنيه.
مازال الطريق بعيدا، والمؤشرات تدل على وعورة المسالك، لكن اليقظة المستمرة، كفيلة بالمحافظة على مكتسبات شبابنا، وجعله يحس بالحرية الحقيقية.
حمزة الأنفاسي
Hamza Elanfassi

مرثية الفراق..

Image

أحزم أمتعتي لأغادر الوطن الذي نشأت بين ظهرانيه. أبحر بعيدا

عساني أستطيع التعرف على نفسي، ألملم ما يربطني به. فكالغريب صرت بداخله، كعابر السبيل أمسيت في كنفه.

ترددت كثيرا قبل اتخاذ القرار، فجزء مني كان يبغي البقاء. يرجو مؤشرا لتحرك القاطرة. لكن الآن كل شيء يدل على الجمود، والأمور تزحف في اتجاه الرحيل.

لكني أحاول في هذه السطور اليسيرة أن أبرر لنفسي لماذا أغادر، لماذا سأترك المملكة “الشريفة”، إلى بلد اعترفنا سباقين باستقلاله، لكن ما غنمنا من هذا الاعتراف إلا الفتات.. إن نحن وجدناه.

أغادر لأني لم أعد أطيق النظر في وجه السياسيين: من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. كلهم اعتادوا أدوار الكومبارس ، وافتضت بكارتهم السياسية..ارتدوا أقنعة فاعتادوها، وما في وسعهم التمرن على أدوار المسؤولية، التي تًُستَنشق نسماتها في الدول الديمقراطية.

أغادر لأني أضحيت ماقتا لإدارتنا الترابية أو الحجرية.. لم يعد هناك فرق في اللقبين حسب علمي.

أغادر لأني عاينت نعي العدالة. التي تداوت من داء العمى في هذا البلد. وصارت تميز جيدا بين المواطن والخاصة، أو الحظوة، أو النخبة، أو هوما…

أغادر لأني رأيت بلاحظتَيَّ كيف اتفق الكل على إقبار الدستور. خرج الشارع، خطب الرجل، صيغ دستور، اشتغلت الدعاية، مررت الوثيقة، انتهينا هنا.

أغادر لأني نشأت قبالة أكبر مستشفى في المغرب، وما رأيته طيلة حياتي لا يوصف، ولا يصدق، لذا فالأحرى ألا يكتب.

أغادر لأني ابن رجل تعليم، كبرت في حي لرجال التعليم، وأقدر على إجراء المقارنة بين تعليم الأمس واليوم. أعرف جيدا براثن القطاع، ألاعيب النقابات، سلوكات الأساتذة، نفسية المتلقين، مشاكل المحيط…وبالخصوص أجزم أن الواقع مراد لا مقدر.

أغادر لأني كنت في يوم من الأيام أعشق الرياضة. وكان من الممكن أن أكمل مسيرتي كما يحلم بذلك الآلاف من المغاربة والمغربيات..لكني اصطدمت بحقيقة كوني أعيش في بلد يقطنه رياضي واحد، ويُروَّج أنه يكفينا..

أغادر لأن أمي ابنة شريف زاوية.. كنت أحجها ما استطعت إليها سبيلا: وكان مقامي يمتد طيلة عطلة الصيف. لذا فأنا أمقت من يشجع على استمرار هذا النوع من المؤسسات، التي يذكرنا التاريخ أنها لم تنفع يوما البلد: فهي إما إلى جانب المخزن أو في أحضان الأجنبي. عدا أنها تقمصت أدوارا دينية وسياسية واجتماعية وأخلاقية… كان مفروضا أن يلعبها المسجد.

أغادر لأن المغادرة أصبحت حلم الأغلبية المغلوبة.

أغادر لأني صحافي. كنت أرى في هذه المجال فرصة للمساهمة في مراقبة شأننا العام، لكن رأيت كيف صارت هذه المهنة ذاعرة يلطخها الوحوش بدنسهم، وتلهث الضباع وراء البقايا.بلد يصنع نعوشا يرسل عبرها براعمه إلى مخالب المجهول، ويصدر ريحاناته لأنياب البغاء.

أغادر لأني تأكدت من انتشار ريع كبير في المجتمع المدني. بين جمعيات المبادرة ومنظمات الخارج، لا فرق إلا في حجم الفائض الجيبي لكل فئة.

أغادر لأن بلدي يموت فيها شخص كل ساعتين في الطرقات. والمسؤولية ترمى على.. تماس كهربائي.

أغادر لأن الانفلات الأمني وانتشار السرقة، جعلوني أعاني من رهاب مستمر. والمؤشرات لا تدل على أن ذلك سينتهي.

أغادر لأني لم أقو على مجابهة “تسلطن” أرباب العمل. يحاول جهد طاقته أن يحسسك بأنك حقير، غير ذي قيمة، وأنك تدين له لأنه يجود عليك. دون أن ننسى دسائس الزملاء الأقدم. الذين لم يقووا على تخطي عقلية المريدين: البركة في الأقدم داخل الدير.

أغادر لأن لا بوصلة قيمية لنا منذ مدة. وإن المنظومة فقدت، فانهيار البنى التحتية للمجتمع لناظره لقريب.

أغادر لأن اقتصادنا ارتجالي بامتياز، يعتمد على استثمار عائلي محض. عوض الاستراتيجيات المندمجة للدول المفكرة والمخططة. سياحتنا جنسية، حشيشنا ذو صدى عالمي مرجعي، فلاحة أسطورية عفا عنها الزمان، اقتصاد التهريب والقرصنة، مقاولون همهم الأساس امتصاص المغانم من هذا الشعب المغلوب على أمره.

أغادر لأنه أبى إلا أن يجعلنا زبناءه، خدامه، وخادماته..

أغادر لأن جزءا مجهريا من المجتمع، يحاول أن يفرض على الشعب اختياراته، نمطه، أفكاره وقناعاته.

أغادر لأني أعرف أن نصف مجتمعي قروي، أمي ولا يريد ساسته أن يساعدوه على الخروج من هذه المعضلة. وأحزمة البؤس والفقر لم تفتأ تتمطط.

أغادر لأني لاحظت كره المغاربة للعشرينيين. رجت الحركة سكون العفاريت، غنم الشعب بعض المكتسبات، نُسِي شباب الحراك، فيقطف المخزن رؤوسه، تصمت الأغلبية البكماء، وتضيق مساحة التعبير من جديد.

أغادر لأني لمست لفظ المجتمع للمثقف، وتواطؤ هذا الأخير-إلا النزر القليل- مع قوى الظلام الفرحة بما لديها.

أغادر لأن قوى الأمن هي أكثر من يقض الأمن. عملتها في ذلك الابتزاز، البطش، السرقة، التدليس، التلفيق وبالأخص احتقار أبناء الأمة.

أغادر لأني عشت فترة ليست بالهينة كالوطواط؛ لا أحلق إلا ليلا. وما أدراك ما الليل. منظر مقزز لحاناتنا، ومطاعمنا، وخماراتنا، ومراقصنا وملاهينا. حمائم تفترسها الظلمة، وفصيل غير آبه بأصحاب النهار.

أغادر لأن قيمتك تقاس اليوم بالدينيرو، عمر، الماني، اللعاقة، الحبة، الفلوس، الدرهم… وهلم جرا.

أغادر لأن الفنون لم تعد تعرف لنا طريقا. انتاج للرداءة ووأد أو تدجين للطاقات الشابة.

أغادر لأن المهيمنين دوليا نبهوا إلى فقدان شبابنا للأمل. الأمل نبراس الطريق، وبدونه تضيع طاقات التغيير.

أغادر لأننا لم نستطع إلى اليوم أن نتفق على رزنامة أهداف، تشكل المشروع المجتمعي المتوافق حوله. تعمل الحكومات المتعاقبة على تفعيله، ونستطيع تقييم عملها من خلاله.

أغادر لأن لا نية لنا أن نفتح تاريخنا، نمحصه، نحلله، نستشف الأخطاء، ونبني على المكتسبات ومكامن القوة. مع الاعتراف بمجهود جوهرتين في هذا المجال: العروي والجابري.

أغادر لأنهم عانوا كي يلقنونا عن ظهر قلب أن شواطئنا تمتد لأكثر من ثلاثة آلاف كلم، لكن نسوا أننا سنقارن يوما هذه الشساعة بضيق نصيبنا منه.

أغادر وفي قلبي غصة اسمها الرخص أو الكريمات. هبة ممن لا يملك

لمن لا يستحق.

لكن، أغادر أساسا من أجل المعرفة والتجربة. أتقوى للعودة أمتن والمساهمة في معالجة كل ما سبق.

حمزة الأنفاسي
Hamza Elanfassi