قبول البعض بالمهانة لا يعني أن الكل يجب أن يقبل بها

خرج أمس عشرات الآلاف من سكان الحسيمة للتظاهر وأعطوا درسا حضاريا للعالم بأسره ليتعلم منه. أقول هذا لأنني شاهدت فيديوهات المظاهرات إلى جانب نشطاء أمريكيين، وكلهم سحروا بمدى التنظيم المحكم والتواصل الفعال لكل المشاركين في المظاهرات. كل هذا بالطبع يحدث تحت ضغط التخوين والتخويف اللذان يتعرض لهما نشطاء الريف من قبل النخب المتحكمة في المجتمع. بين من تداول خريطة تحذر من خطر التقسيم المحذق بالمملكة الشريفة (في استنساخ وضيع لنفس الوسائل التي استعملت في مصر قبل بضع سنوات)، ومن استعمل منصة شبكات التواصل الاجتماعي للتهكم على صرخة طبيعية لمنطقة عانت التهميش الممنهج لعقود عدة

الكثير من اللغط الذي تتفوه به طائفة من الناس يذكرني بالخطاب التعجيزي ونبرة التحقير التي كان يتحدث بها البعض خلال الحراك العشريني. عندما كنت أناقش بعض أصدقائي، كان خطابهم وإصرارهم على مدى ثقتهم بفشل الحراك تخفي مشاعرهم الدفينة، وكأن لسان حالهم يقول: “أنا أحارب فيك عدم خوفك من الوقوف ضد الظلم، وقدرتك على التفوه بالحقيقة التي يعجز الغربال عن إخفائها.” فكان المشهد “زويليا” حين حارب  الفاشل الضاعن الناجح المتمرد، فلم يغنم كلاهما من ثمار الحراك، بل استفاد منه من يجيد  “الركمجة” على ألواح الحراك الاجتماعي. نفس الشيء ينطبق على من يقول بأن المغرب كله يعاني وليس فقط الريف. وكأن الاشتراك في المعاناة مع تخاذل البعض يفرض على الجميع التخاذل: إذا لم تكن لمنطقة الجرأة أو الاستعداد أو الوقت أو الظروف للخروج للشارع والتنديد بالاستبداد والفساد والثورة المضادة، فهذا لا يعني أن مناطق أخرى سوف تنحو نفس النحو، خصوصا إذا كانت الظروف التاريخية للحسيمة مختلفة عن عدة مناطق أخرى

مدينة الحسيمة تنتمي إلى منطقة عانت التهميش، التضييق، وفي محطات مختلفة التصفية على يد نظام عرف ببثه لأفكار نمطية شمولية تجاه مجموعان بشرية واسعة. يجب أن لا ننسى أن هذه المنطقة كانت مركزا للتنظيم الممنهج منذ ثورة الخطابي في عشرينيات القرن الماضي. منهج الخطابي الذي استعمله العديد من الرموز الثورية يفرض التنظيم المحكم والبنية القوية. نفس المواصفات تنطبق على حركة العصيان المدني الريفية خلال فترة 1958-1959 . هذه الفترة تركت آثارها على الجسم الريفي، الذي لم يندمل جرحه بعد، بل أصر النظام على عدم ترك الجرح ليبرأ. غابت هاته الأحداث الدامية عن الذاكرة الرسمية، إلى أن نثر الحسن الثاني عنها التراب في خطابه سنة 1984، عندما خرج الناس إلى الشوارع، ليلاقوا تعنيفا رهيبا وعسكرة للفضاء العام. في ذلك الخطاب قال الحسن الثاني: “الريفيون يعرفون جيدا ولي العهد، فمن الأحسن ألا يعرفوا الحسن الثاني في هذا الباب.” لا يمكن شرح هذه العبارة لشخص يتنفس الحرية. كيف يمكن أن تشرح له أن ملك البلاد الذي وجب أن يستمع لصرخات شعبه، هو نفسه من يهدده في القناة الرسمية، بأنه سوف يعيد استعمال نفس العنف الذي استعمله ضدهم قبل ثلاثة عقود؟ كيف يمكن أن تفتخر بشخص يستعمل أجهزة الدولة لإسكات كل من سولت له نفسه أن يحلم؟ حلم المغاربة منذ فجر الاستقلال لازال يراوح الحرية، الكرامة، والعدالة الاجتماعية، نفس المطالب التي أطلقها المتظاهرون بالحسيمة. وإلى أن نرى ما تشهده الحسيمة في سياق تاريخي، فإننا سنبقى حبيسي تحليلات سطحية أو مغرضة.

Hoceima Pic

الحسيمة عرفت واحدا من أكبر الزلازل في المغرب سنة 2004 ، مما خلف أكثر من ألف قتيل وجريح، وكانت مناسبة للملك الجديد محمد السادس للقيام بجولة لتفقد الضحايا والمنكوبين. لكن هاته المبادرة سرعان ما خفت بريقها وتركت العديد من العائلات لتواجه مصيرها الضبابي لوحدها. بعد أن تبين أن الكم الهائل من التبرعات المالية والعينية التي تدفقت على المنطقة من أوروبا، وأمريكا، ودول الخليج، والجالية المغربية بالخارج، وكذا مغاربة الداخل، لم تستفد منه ساكنة الحسيمة. عاد للواجهة نفس الإحساس باليأس وبعدم اكتراث الدولة لمعاناة المدينة وقاطنيها. كيف تريد أن يحس أبناء وبنات الحسيمة عندما يرون أن الدولة لم تكتف بعدم الاستجابة بالقدر الكافي لحجم الدمار بالمدينة، بل إنها ساهمت أو على الأقل لم تتصد لكل من تلاعب بتبرعات كانت يجب أن تجد طريقها لسكان الحسيمة المنكوبين. شرف المدينة لم ينته انتهاكه هنا، بل امتد إلى أبشع سيناريو متخيل. يوم 28 أكتوبر من السنة الماضية (2016)، لاقى شاب (محسن فكري- صائد سمك) حتفه سحقا بشاحنة لجمع النفايات. ولا أخفي أن تلك الصور التي انتشرت عبر الأنترنت تثير مشاعر مركبة لأي شخص لازال يمتلك ذرة من الإنسانية. مقطع الفيديو أظهر دون مجال للريبة أن ممثل الدولة هو من أمر بسحق محسن لتعنته وظنه أن الدولة لن تنزل إلى مستوى “طحن” أبناءها. هنا أيضا كان من المطلوب من الحسيميين أن يقبلوا بما حصل، لأن هناك من يطحن في أماكن مختلفة من المغرب. أعيدها تارة أخرى: قبول البعض بالمهانة لا يعني أن الكل يجب أن يقبل بها

إصرار الدولة على عدم التجاوب الإيجابي مع مطالب الجماهير من الشعب لا يؤدي إلا إلى تصلب الحراك وتطرفه، ويظهر إلى أي حد لا تجيد الدولة التعامل الاستراتيجي مع متغيرات الشارع. أضف إلى ذلك تخاذل الأحزاب السياسية ورضوخها لسلطة النظام. كيف تريد الأحزاب السياسية أن تستعيد ثقة الشعب عندما لا تقدر أن تدعم الحراك الشعبي، أو على الأقل الاعتراف به. لذلك فليس من الغريب خروج قيادات جديدة من داخل الحراك نفسه، تتحدث خطابا يفهمه المتظاهرون، وكانوا ينتظرون من يصرخ به عاليا ليصل النخبة المتعالية عن واقع معظم المغاربة

لم يعد المغاربة يهابون النظام، ولم يعد النظام قادرا على تدبير المعلومة كما اعتاد على ذلك من قبل. شبكات التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الحديثة ساهمت في نشر رسالة الريفيين إلى العالم: “باي باي زمان الطاعة، هذا زمان المواجهة.” إذا لم يفهم النظام هذه الرسالة فيجب أن يتحمل عواقب ما قد يحصل. فالمسؤولية يتحملها صاحب الفعل وليس رد الفعل، وسكان الحسيمة خرجوا كرد فعل ضد عقود من التصفية، التهميش، وغياب قنوات الحوار مع نظام يصر على أن يرى الريف ك”آخر” يجب ترويضه، وليس كجزء من الجسم وجب الاعتناء به

حمزة الأنفاسي

Hamza El Anfassi

Advertisements