مرثية الفراق..

Image

أحزم أمتعتي لأغادر الوطن الذي نشأت بين ظهرانيه. أبحر بعيدا

عساني أستطيع التعرف على نفسي، ألملم ما يربطني به. فكالغريب صرت بداخله، كعابر السبيل أمسيت في كنفه.

ترددت كثيرا قبل اتخاذ القرار، فجزء مني كان يبغي البقاء. يرجو مؤشرا لتحرك القاطرة. لكن الآن كل شيء يدل على الجمود، والأمور تزحف في اتجاه الرحيل.

لكني أحاول في هذه السطور اليسيرة أن أبرر لنفسي لماذا أغادر، لماذا سأترك المملكة “الشريفة”، إلى بلد اعترفنا سباقين باستقلاله، لكن ما غنمنا من هذا الاعتراف إلا الفتات.. إن نحن وجدناه.

أغادر لأني لم أعد أطيق النظر في وجه السياسيين: من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. كلهم اعتادوا أدوار الكومبارس ، وافتضت بكارتهم السياسية..ارتدوا أقنعة فاعتادوها، وما في وسعهم التمرن على أدوار المسؤولية، التي تًُستَنشق نسماتها في الدول الديمقراطية.

أغادر لأني أضحيت ماقتا لإدارتنا الترابية أو الحجرية.. لم يعد هناك فرق في اللقبين حسب علمي.

أغادر لأني عاينت نعي العدالة. التي تداوت من داء العمى في هذا البلد. وصارت تميز جيدا بين المواطن والخاصة، أو الحظوة، أو النخبة، أو هوما…

أغادر لأني رأيت بلاحظتَيَّ كيف اتفق الكل على إقبار الدستور. خرج الشارع، خطب الرجل، صيغ دستور، اشتغلت الدعاية، مررت الوثيقة، انتهينا هنا.

أغادر لأني نشأت قبالة أكبر مستشفى في المغرب، وما رأيته طيلة حياتي لا يوصف، ولا يصدق، لذا فالأحرى ألا يكتب.

أغادر لأني ابن رجل تعليم، كبرت في حي لرجال التعليم، وأقدر على إجراء المقارنة بين تعليم الأمس واليوم. أعرف جيدا براثن القطاع، ألاعيب النقابات، سلوكات الأساتذة، نفسية المتلقين، مشاكل المحيط…وبالخصوص أجزم أن الواقع مراد لا مقدر.

أغادر لأني كنت في يوم من الأيام أعشق الرياضة. وكان من الممكن أن أكمل مسيرتي كما يحلم بذلك الآلاف من المغاربة والمغربيات..لكني اصطدمت بحقيقة كوني أعيش في بلد يقطنه رياضي واحد، ويُروَّج أنه يكفينا..

أغادر لأن أمي ابنة شريف زاوية.. كنت أحجها ما استطعت إليها سبيلا: وكان مقامي يمتد طيلة عطلة الصيف. لذا فأنا أمقت من يشجع على استمرار هذا النوع من المؤسسات، التي يذكرنا التاريخ أنها لم تنفع يوما البلد: فهي إما إلى جانب المخزن أو في أحضان الأجنبي. عدا أنها تقمصت أدوارا دينية وسياسية واجتماعية وأخلاقية… كان مفروضا أن يلعبها المسجد.

أغادر لأن المغادرة أصبحت حلم الأغلبية المغلوبة.

أغادر لأني صحافي. كنت أرى في هذه المجال فرصة للمساهمة في مراقبة شأننا العام، لكن رأيت كيف صارت هذه المهنة ذاعرة يلطخها الوحوش بدنسهم، وتلهث الضباع وراء البقايا.بلد يصنع نعوشا يرسل عبرها براعمه إلى مخالب المجهول، ويصدر ريحاناته لأنياب البغاء.

أغادر لأني تأكدت من انتشار ريع كبير في المجتمع المدني. بين جمعيات المبادرة ومنظمات الخارج، لا فرق إلا في حجم الفائض الجيبي لكل فئة.

أغادر لأن بلدي يموت فيها شخص كل ساعتين في الطرقات. والمسؤولية ترمى على.. تماس كهربائي.

أغادر لأن الانفلات الأمني وانتشار السرقة، جعلوني أعاني من رهاب مستمر. والمؤشرات لا تدل على أن ذلك سينتهي.

أغادر لأني لم أقو على مجابهة “تسلطن” أرباب العمل. يحاول جهد طاقته أن يحسسك بأنك حقير، غير ذي قيمة، وأنك تدين له لأنه يجود عليك. دون أن ننسى دسائس الزملاء الأقدم. الذين لم يقووا على تخطي عقلية المريدين: البركة في الأقدم داخل الدير.

أغادر لأن لا بوصلة قيمية لنا منذ مدة. وإن المنظومة فقدت، فانهيار البنى التحتية للمجتمع لناظره لقريب.

أغادر لأن اقتصادنا ارتجالي بامتياز، يعتمد على استثمار عائلي محض. عوض الاستراتيجيات المندمجة للدول المفكرة والمخططة. سياحتنا جنسية، حشيشنا ذو صدى عالمي مرجعي، فلاحة أسطورية عفا عنها الزمان، اقتصاد التهريب والقرصنة، مقاولون همهم الأساس امتصاص المغانم من هذا الشعب المغلوب على أمره.

أغادر لأنه أبى إلا أن يجعلنا زبناءه، خدامه، وخادماته..

أغادر لأن جزءا مجهريا من المجتمع، يحاول أن يفرض على الشعب اختياراته، نمطه، أفكاره وقناعاته.

أغادر لأني أعرف أن نصف مجتمعي قروي، أمي ولا يريد ساسته أن يساعدوه على الخروج من هذه المعضلة. وأحزمة البؤس والفقر لم تفتأ تتمطط.

أغادر لأني لاحظت كره المغاربة للعشرينيين. رجت الحركة سكون العفاريت، غنم الشعب بعض المكتسبات، نُسِي شباب الحراك، فيقطف المخزن رؤوسه، تصمت الأغلبية البكماء، وتضيق مساحة التعبير من جديد.

أغادر لأني لمست لفظ المجتمع للمثقف، وتواطؤ هذا الأخير-إلا النزر القليل- مع قوى الظلام الفرحة بما لديها.

أغادر لأن قوى الأمن هي أكثر من يقض الأمن. عملتها في ذلك الابتزاز، البطش، السرقة، التدليس، التلفيق وبالأخص احتقار أبناء الأمة.

أغادر لأني عشت فترة ليست بالهينة كالوطواط؛ لا أحلق إلا ليلا. وما أدراك ما الليل. منظر مقزز لحاناتنا، ومطاعمنا، وخماراتنا، ومراقصنا وملاهينا. حمائم تفترسها الظلمة، وفصيل غير آبه بأصحاب النهار.

أغادر لأن قيمتك تقاس اليوم بالدينيرو، عمر، الماني، اللعاقة، الحبة، الفلوس، الدرهم… وهلم جرا.

أغادر لأن الفنون لم تعد تعرف لنا طريقا. انتاج للرداءة ووأد أو تدجين للطاقات الشابة.

أغادر لأن المهيمنين دوليا نبهوا إلى فقدان شبابنا للأمل. الأمل نبراس الطريق، وبدونه تضيع طاقات التغيير.

أغادر لأننا لم نستطع إلى اليوم أن نتفق على رزنامة أهداف، تشكل المشروع المجتمعي المتوافق حوله. تعمل الحكومات المتعاقبة على تفعيله، ونستطيع تقييم عملها من خلاله.

أغادر لأن لا نية لنا أن نفتح تاريخنا، نمحصه، نحلله، نستشف الأخطاء، ونبني على المكتسبات ومكامن القوة. مع الاعتراف بمجهود جوهرتين في هذا المجال: العروي والجابري.

أغادر لأنهم عانوا كي يلقنونا عن ظهر قلب أن شواطئنا تمتد لأكثر من ثلاثة آلاف كلم، لكن نسوا أننا سنقارن يوما هذه الشساعة بضيق نصيبنا منه.

أغادر وفي قلبي غصة اسمها الرخص أو الكريمات. هبة ممن لا يملك

لمن لا يستحق.

لكن، أغادر أساسا من أجل المعرفة والتجربة. أتقوى للعودة أمتن والمساهمة في معالجة كل ما سبق.

حمزة الأنفاسي
Hamza Elanfassi